الغزالي

193

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

أصناف : ركبانا ، ومشاة ، وعلى وجوههم » ، فقال رجل : يا رسول اللّه ، وكيف يمشون على وجوههم ؟ قال : « الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم » . في طبع الآدمي إنكار كلّ ما لم يأنس به ، ولو لم يشاهد الإنسان الحيّة وهي تمشي على بطنها كالبرق الخاطف لأنكر تصوّر المشي على غير رجل ، والمشي بالرجل أيضا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك . فإيّاك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفته قياس ما في الدنيا ، فإنّك لو لم تكن قد شاهدت عجائب الدنيا ثم عرضت عليك قبل المشاهدة ، لكنت أشدّ إنكارا لها ، فأحضر في قلبك صورتك وأنت واقف عاريا مكشوفا ذليلا مدحورا « 1 » متحيّرا مبهوتا ، منتظرا لما يجري عليك من القضاء بالسعادة أو بالشقاء ، وأعظم هذه الحال فإنّها عظيمة . ثمّ تفكّر في ازدحام الخلائق واجتماعهم ، حتى ازدحم على الموقف أهل السماوات السبع والأرضين السبع ، من ملك وجنّ وإنس وشيطان ووحش وسبع وطير ، فأشرقت عليهم الشمس ، وقد تضاعف حرّها ، وتبدّلت عمّا كانت عليه من خفّة أمرها ، ثم أدنيت من رؤوس العالمين كقاب قوسين ، فلم يبق على الأرض ظلّ إلا ظلّ عرش ربّ العالمين ، ولم يمكّن من الاستظلال به إلا المقرّبون ، فمن بين مستظلّ بالعرش ، وبين مضح لحرّ الشمس قد صهرته بحرّها ، واشتدّ كربه وغمّه من وهجها . ثم تدافعت الخلائق ، ودفع بعضهم بعضا لشدّة الزحام ، واختلاف الأقدام ، وانضاف إليه شدّة الخجلة والحياء من الافتضاح والاختزاء عند العرض على جبّار السماء ، فاجتمع وهج الشمس ، وحرّ الأنفاس ، واحتراق القلوب بنار الحياء والخوف ، ففاض العرق من أصل كلّ شعرة ، حتى سال على صعيد القيامة ، ثم ارتفع على أبدانهم على قدر منازلهم عند اللّه ، فبعضهم بلغ العرق ركبتيه ، وبعضهم حقويه « 2 » ، وبعضهم إلى شحمة أذنيه ، وبعضهم كاد يغيب فيه . قال ابن عمر : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يوم يقوم الناس لربّ العالمين حتى يغيب

--> ( 1 ) مدحورا : أي مخذولا . ( 2 ) حقويه : الحقو هو : معقد الإزار .